عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
98
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
ومما له من الجلالة والمفاخر ما أتى عليه الجلة الأكابر المشهورون بجلالة القدر والتقدم من علماء العصر ، كجمال العلماء المجمع على فضله وجلالته ، وعلو منزلته وإمامته ، الشيخ أبي إسحاق الشيرازي . قال الإمام أبو سعد السمعاني : قرأت بخط أبي جعفر محمد بن علي الهمداني : سمعت الشيخ أبا إسحاق الفيروزأبادي يقول : تمتعوا بهذا لإمام ، فإنه نزهة هذا الزمان ، يعني أبا المعالي الجويني . وقال ابن خلكان في تاريخه : قاد أبو حامد : سمعت الشيخ أبا إسحاق الشيرازي يقول لإمام الحرمين : يا مفيد أهل المشرق والمغرب ؛ نلت اليوم إمام الأئمة . قلت : وكذلك الإمام أبو المعالي المذكور ، عظم الإمام أبا إسحاق المذكور ، كما تقدم من حمله الغاشية بين يديه . ومن حميد سيرة أبي المعالي أنه كان ما يستصغر أحداً حتى يسمع كلامه مبتدئاً كان ، أو منتهياً صغيراً كان ، أو كبيراً ولا يستنكف من أن يعزي الفائدة المستفادة إلى قائلها ، ويقول : إن هذه الفائدة مما استفدته من فلان ، ولا يحتال أحداً أيضاً في التزييف إذا لم يرض كلامه ولو كان أباه أو احداً من الأئمة المشهورين . قلت : ومن ذلك قوله في بعض المسائل بعد ذكره مقال والده فيها : وهذه زلة من الشيخ يعني والده . وكان من التواضع لكل أحد بمحل ، ويتحمل منه الاستهزاء لمبالغة فيه ، ومن رقة القلب بحيث يبكي إن سمع بيتاً ، أو تفكر في نفسه ساعة ، وإذا شرع في حكاية لأحوال ، وخاض في علوم الصوفية في فصول مجالسه للغدوات ، حتى أبكى الحاضرين ببكائه ، وتقطر الدماء من الجفون لزعقاته وإشاراته واحتراقه في نفسه ، وتحققه بما يجري من دقائق الأسرار . هذه الجملة نبذ مما عهدناه منه إلى انتهاء أجله . ولما توفي رحمه الله صاح الصائح من كل جانب ، وجزع الخلق عليه جزعاً لم يعهد مثله ، ولم تفتح الأبواب في البلد ، ووضعت المناديل عن الرؤوس عاماً ، بحيث ما اجترأ أحد على ستر رأسه من الرؤوس والأكابر ، وصلي عليه بعد جهد وشدة زحمة ، ودفن في داره ، ثم نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين ، وكسر منبره في الجامع ، وقعد الناس للعزاء أياماً . وكان طلبته قريباً من أربعمائة ، يتفرقون في البلد نائحين عليه ، وكان عمره تسعاً وخمسين سنة . وسمع الحديث من جماعة كثيرة ، وله إجازة من الحافظ أبي نعيم الأصبهاني ، صاحب حلية الأولياء ، وقد سمع سنن الدارقطني من أبي سعيد بن عليك ، وكان يعتمد تلك الأحاديث في مسائل الخلاف ، ويذكر الجرح والتعديل منها في الرواية ، وظني أن آثار جده واجتهاده في دين الله تعالى يدوم إلى قيام الساعة وإن انقطع نسله من جهة الذكور ظاهراً